ابن هشام الأنصاري

354

شرح قطر الندى وبل الصدى

بالإضافة ، كالكبرى والصّغرى ، والكبر والصّغر ، قال اللّه تعالى : إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ « 1 » ، ولا يجوز أن تقول « صغرى » ولا « كبرى » ولا « كبر » ولا « صغر » ولهذا لحّنوا العروضيين في قولهم : فاصلة كبرى ، وفاصلة صغرى ، ولحّنوا أبا نواس في قوله : « [ 143 ] » - كأنّ صغرى وكبرى من فقاقعها * حصباء درّ على أرض من الذّهب فكان القياس أن يقال « الأخر » ولكنهم عدلوا عن ذلك الاستعمال فقالوا : « أخر » كما عدل التميميون الأمس عن الأمس ، وكما عدل جميع العرب سحر عن السّحر ، قال اللّه

--> ( 1 ) من الآية 35 من سورة المدثر . ( [ 143 ] ) - هذا البيت من كلمة لأبي نواس - بضم النون - وفتح الواو مخففة - واسمه الحسن بن هانىء ، الحكمي ، الدمشقي ، يصف فيه الخمر ، وقبله قوله : ساع بكأس إلى ناش من الطّرب * كلاهما عجب في منظر عجب قامت تريني وأمر اللّيل مجتمع * صبحا تولّد بين الماء واللّهب اللغة : « فقاقعها » وردت هذه الكلمة بروايتين مختلفتين : الأولى « فواقعها » وهي على هذه الرواية جمع فاقعة ، وأراد بها ما يعلو فوق الكأس من النفاخات إذا مزجت الخمر بالماء ، ويروى « فقاقعها » وهي جمع فقاعة بضم فتشديد - ومعناه ما ذكرناه في الرواية الأولى ، والموجود في كتب اللغة يرجح الرواية الثانية « حصباء » هي صغار الحصى . الإعراب : « كأن » حرف تشبيه ونصب « صغرى » اسمه ، منصوب بفتحة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر « وكبرى » معطوف عليه « من » حرف جر « فقاقعها » فقاقع : مجرور بمن ، وعلامة جره الكسرة الظاهرة ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لاسم كأن وما عطف عليه « حصباء » خبر كأن ، مرفوع بالضمة الظاهرة ، وحصباء مضاف و « در » مضاف إليه « على أرض » جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من خبر كأن « من الذهب » جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لأرض . التمثيل به : في قوله « صغرى وكبرى » فإن المؤلف كجماعة من النحاة قد اعتبروا كل واحدة من هاتين الكلمتين أفعل تفضيل ، وبنوا على ذلك تخطئة أبي نواس ، لأن من حق أفعل التفضيل إذا كان مجردا من أل والإضافة أن يكون مفردا مذكرا مهما يكن أمر الموصوف به ، فكان عليه أن يقول : كأن أصغر وأكبر من فقاقعها - إلخ ، أو يقول : كأن الكبرى والصغرى - إلخ . إلا أنك لو تأملت أدنى تأمل لوجدت الشاعر لم يرد معنى التفضيل ، وإنما أراد معنى الصفة المشبهة : أي كأن الفقاعة الصغيرة والفقاعة الكبيرة من فقاقع هذه الخمر - إلخ ، والصفة المشبهة تطابق ما تجري عليه ، فإذا كانت جارية على مفرد مؤنث كما هنا كان الواجب فيها الإفراد والتأنيث ، وهذا هو الذي فعله الشاعر ؛ لذلك نرى أنه لم يأت إلا بالقياس المطرد ، ومثل هذا الكلام يصح أن يقال في توجيه قول العروضيين : فاصلة كبرى ، وفاصلة صغرى ؛ فهم يريدون الفاصلة الكبيرة والصغيرة ، ولا يريدون معنى أصغر وأكبر .